مقالات وبحوث
التجربة الدنماركية: التخلي عن منتجات مايكروسوفت

بقلم: حسام خطاب
الوزير الدنماركي للشؤون الرقمية أعلن عن أن الحكومة الدنماركية تخطط للتحول من منتجات مايكروسوفت إلى منتجات مفتوحة المصدر مثل Linux و LibreOffice. السبب الرئيسي هو تعزيز السيادة الرقمية.
التفاصيل:
الحكومة الدنماركية تخطط للتخلي عن منتجات مايكروسوفت، وقد سبقه إعلان مدينتين دينماركيتين، منهما كوبنهاغن، أيضا المضي بعيدا عن مايكروسوفت.
الوزير الحكومي كشف عن أن التحول سيكون تدريجيا، وفي المرحلة الأولى العملية ستستهدف نصف الموظفين. إن نجحت التجربة، التحول سيشمل بعدها كافة الموظفين والعمليات.
دوافع القرار:
1 السيادة الرقمية:
السيادة الرقمية تعني قدرة الدولة على التحكم في بنيتها التحتية وبياناتها وتقنياتها دون الاعتماد على موردين خارجيين. وهنا الدنمارك تخطط لتقليل اعتمادها على الشركات الأجنبية، وخاصة الأمريكية. وبالتالي التحكم في قدرتها على الوصول إلى الخدمات الرقمية بصرف النظر عن التوترات السياسية.
فمثلا، عندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق نتنياهو، الرئيس الأمريكي ترمب رد بأمر مايكروسوفت بحجب صلاحية المدعي العام للمحكمة من الوصول إلى إيميله.
تلك الحادثة أثارت مخاوف الدنماركيين من تنفيذ قرارات مشابهة على نطاق أوسع، وتهديد كامل الخدمات الرقمية في البلاد.
حتى أن الحكومة الدنماركية شجعت الشركات في تقليل الاعتماد على الخدمات السحابية الأمريكية وتجهيز خطط طوارئ فيما لو تطلب الأمر ذلك.
2 التحكم بالبيانات:
بعد قرارات ترمب، برزت مخاوف حول من يتحكم في بيانات المواطنين الدنماركيين، ومن يملك صلاحية الوصول إليها، وإن كانت تنقل خارج البلاد، وما في ذلك من مخاوف أمنية على المصلحة العامة.
وهنا لا بد أن لا ننسى تصريحات ترمب المتكررة حول جزيرة غرينلاند وأطماعه فيها. فأضحت الدنمارك متوجسة خيفة من قرارات سياسية مفاجئة تؤثر على بياناتها وقدرتها على استخدام الخدمات الرقمية.
3 خفض التكاليف:
عامل هام آخر هو التكاليف المالية المتصاعدة من الاعتماد على منتجات مايكروسوفت. فمثلا تكاليف استخدام مايكروسوفت في كوبنهاغن لوحدها ارتفعت بنسبة 72% خلال خمس سنوات.
ناهيك عن التكاليف المالية غير المباشرة في الحاجة إلى ترقية منتجات مايكروسوفت واستبدال الأجهزة كل بضعة سنوات. نسخة Windows 10 سينتهي الدعم عليها خلال أشهر، وعملية الترقية تحتاج إلى تكاليف إضافية.
خطة الدنمارك في التخلي عن منتجات مايكروسوفت تتماشى مع التوجه العام في الاتحاد الأوروبي في تقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية، والدنمارك من أوائل الدول الأوروبية التي وضعت الخطة قيد التنفيذ.
الشركات التقنية الأمريكية تأثيرها متزايد عالميا، وذلك التركز في قوتها وتحكمها قرع أجراس الإنذار لدى صانع القرار الأوروبي. الدنمارك تحاول الحد من المخاطر وفي تعزيز اعتمادها على ذاتها أولا، مع زيادة سيطرتها على مستقبلها وبياناتها.
ومع ذلك، تبقى الخطوة جميلة على الورق ومدى قدرتها على تطبيقها تحد لا يستهان به. الحكومة الدنماركية تجهز لخطة تدريجية طويلة الأمد، وتترقب لمدى قدرة واستجابة كافة الأجهزة الحكومية على تنفيذها والتحول الناجع نحو البرامج مفتوحة المصدر.
لا ريب أن الدول الأوروبية ستراقب سير التجربة الدنماركية، ونجاحها سيشجع دولا أخرى لتحذو حذوها. التحديات بينها مشتركة، ومن الصعب فصل الخطوة الدنماركية عن السياق الأوروبي عموما. المخاوف مشروعة، والخطوة جريئة، وإن نجحت سيكون لها ما بعدها.