أخبارتحقيقات وتقارير

الذكاء المقيد… من يروض الوحش؟

توقع تقرير”Gartner” أنه بحلول عام 2028 ستتخذ 15 في المئة من قرارات الأعمال اليومية من خلال وكلاء ذكاء اصطناعي (pixabay)

ملخص

التقرير يذكر أن الولايات المتحدة تقود العالم بـــ40 نموذجاً متقدماً للذكاء الاصطناعي، متفوقة على الصين والاتحاد الأوروبي، لكنها تتأخر في عدد براءات الاختراع، إذ تهيمن الصين على 70 في المئة من براءات الذكاء الاصطناعي عالمياً، مما يفتح سؤالاً كبيراً حول من يملك المستقبل؟ فهل هو من يبني الأفكار؟ أم من يسجلها؟

في عالم تطلق فيه الخوارزميات العنان لخيال لم يعرف حداً، ها هي حكومات الدول الكبرى، كل بطريقتها، بدأت تنظم وتشرع قوانينها لكبح جماح هذا التسابق المحموم حتى لا تخرج الأمور عن سيطرة الدول، فبعضهم يتعامل معه كمسألة سيادة وأمن قومي، فالذكاء الاصطناعي الذي أصبح كالخيل الجامح ويحتاج لقوانين تروضه لم يعد يُنظر إليه كمعجزة تكنولوجية فحسب، بل كقوة خطرة تحتاج إلى احتواء وتوجيه، وأحياناً كثيرة نوع من السيطرة المتزنة.

تقرير” Gartner” الصادر خلال يونيو (حزيران) 2025 سلط الضوء على هذه المعركة العالمية المتسارعة، معركة بين الابتكار والسيادة، بين النمو والرقابة، بين الآلة والدولة.

أميركا.. قضية سيادة وأمن قومي

الولايات المتحدة، التي طالما تبنت الابتكار بلا خوف، بدأت الآن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي على محمل الجد، وتتعامل معه كقضية سيادية وأمن قومي، فعبر مذكرتي “”M-25-21 و”M-25-22″، وجهت الحكومة الفيدرالية وكالاتها إلى اعتماد تقنيات ذكاء اصطناعي “محلية الصنع”، وتشجيع التبني المؤسسي مع تقليل الأخطار، وتعيين ما يعرف بـ”كبير مسؤولي الذكاء الاصطناعي” في كل وكالة.

لكن الأكثر إثارة وخطورة هو مقترح تجميد قوانين الولايات حول الذكاء الاصطناعي لـ10 أعوام كاملة، ومن لا يلتزم يحرم من دعم البنية التحتية، إنه ليس قانوناً تقنياً فحسب، بل هو خطاب قوة شعاره “الذكاء الاصطناعي الأميركي لأميركا أولاً”.

التقرير يذكر أن الولايات المتحدة تقود العالم بـــ40 نموذجاً متقدماً للذكاء الاصطناعي، متفوقة على الصين والاتحاد الأوروبي، لكنها تتأخر في عدد براءات الاختراع، إذ تهيمن الصين على 70 في المئة من براءات الذكاء الاصطناعي عالمياً، مما يفتح سؤالاً كبيراً حول من يملك المستقبل؟ فهل هو من يبني الأفكار؟ أم من يسجلها؟

أوروبا… حوكمة متناغمة لكن صارمة

الاتحاد الأوروبي أخذ الطريق المعاكس، فبدلاً من تحفيز غير مشروط، فضل ضبطاً قانونياً صارماً، عبر “قانون الذكاء الاصطناعي” الجديد “EU AI Act”، قسمت الأنظمة إلى أربعة مستويات حسب خطورتها، فهناك مستوى منخفض الخطورة (أنظمة التوصية في المتاجر الأسواق الإلكترونية)، أيضاً مستوى محدود الخطورة (الشات بوتات والمحادثات الآلية)، كذلك مستوى مرتفع الخطورة (أدوات التشخيص الطبي والتوظيف)، وأخيراً مستوى محظور مثل التصنيف الاجتماعي وتحليل العواطف في المدارس أو بيئات العمل.

وأي خرق لهذا القانون؟ تصل غرامته إلى 35 مليون يورو (41 مليون دولار) أو سبعة في المئة من إيرادات المؤسسة العالمية، أيهما أعلى.

من جهته، يرى الاتحاد الأوروبي في الذكاء الاصطناعي خطراً على الحقوق الأساس، وليس مجرد أداة، لذا يفرض على الشركات اختبارات امتثال وتحليلات أخطار، وتدقيقاً شفافاً على النماذج.

لكن هذه الصرامة على رغم عدالتها الأخلاقية، قد تضعف من قدرة الشركات الأوروبية على المنافسة أمام نماذج أكثر تحرراً في أميركا والصين.

الصين.. عقلنة القوى وفقاً للقيم الوطنية

الصين لم تسن قانوناً شاملاً للذكاء الاصطناعي بعد، لكنها طورت قوانين متخصصة، فهناك أنظمة لتنظيم الخوارزميات، وأخرى لتقنيات “التوليف العميق” مثل إنشاء فيديوهات أو صور مزيفة، وأنظمة تلزم بوسم أي محتوى ينتجه الذكاء الاصطناعي، سواء بعلامة مرئية أو في البيانات الوصفية يطبق اعتباراً من سبتمبر (أيلول) 2025.

بكين كانت واضحة، إذ تقول إن الذكاء الاصطناعي يجب أن يتماشى مع القيم الثقافية والاشتراكية الصينية، فعلى سبيل المثال، حُظر نموذج ذكاء اصطناعي أجنبي عام 2024 لأنه أنتج محتوى “غير متوافق” مع السياسات الثقافية، أيضاً الشركات الأجنبية تواجه قيوداً صارمة لتخزين البيانات محلياً داخل الصين.

فالصين تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كسلاح استراتيجي لكن بتحكم مركزي صلب، وهذا يضمن هيمنتها على السوق المحلية، لكنه قد يحد من الابتكار مقارنة بالأسواق الأكثر انفتاحاً.

المنطقة العربية.. فرصة أم تهديد؟ والأخلاق ومنظور عربي إسلامي

الذكاء الاصطناعي يثير تساؤلات أخلاقية عميقة خصوصاً في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، كيف نضمن أن تكون هذه التقنية عادلة ومحايدة؟ فالإسلام يدعو إلى العدل والمساواة، لكن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تكون متحيزة إذا لم تصمم بعناية، فعلى سبيل المثال أنظمة التوظيف الآلية قد تميز ضد فئات أو تتعدى على المكونات الإسلامية إذا لم تبرمج بصورة تراعي التنوع الثقافي والديني.

إغلاق